نشأت الحمارنة
11
تاريخ أطباء العيون العرب
وإذا عرف الانسان مصدر سعادته ، ومصدر شقائه ، فإنه من الطبيعي اذن أن يتقرب الانسان إلى هذه الآلهة الخيرة ، رقيقة القلب . طالبا المزيد من الرعاية ودوام الصحة ، والنجاة من الشرور . وطبيعي أن يتنافس الناس في هذا التقرب ، وطبيعي أيضا أن يظهر الوسطاء بين الانسان والآلهة ، يوهمون الانسان المسكين ، ان طلباته لن تلبى بدون تدخلهم وشفاعتهم ، وان الآلهة تجيد الاصغاء إليهم ، وتلبي بها يرغبون . وهكذا ظهرت طبقة جديدة بين الآلهة والناس ، لها قوة يظن أنها من السماء ، ولكن الانسان هو الذي بايعها ، هو الذي خلقها . هكذا خلق الانسان آلهة ترى صحته ، وتحفظ سعادته ، تساعد الحامل في أشهر حملها الصعبة ، وترعاها عند ولادتها ، وهكذا خلق الانسان طبقة من الكهان الذين يتوسطون بين هذه الآلهة ، وبين البشر . وهكذا أيضا ظهر الكاهن ، والطبيب ، الذي يصف الدواء ، ويقدم الدعاء ، والذي تركزت فيه قوى ميزته في مجتمعه ، بل وتجمعت عنده تجارب ، ومعارف ، جعلت منه رجل دين ، كما جعلت منه رجل علم . وهكذا اتخذ الانسان الذبيحة ، وسيلة للتقرب إلى الآلهة . وإذا كان عقل الانسان قد وجد الراحة في هذه النظرية التي صاغها لنفسه ليفسر بها علاقته بالكون واحداث الحياة ، فان المزيد من التفكير كان من شأنه أن يسبر عوالم أخرى من المجهول ، كان لا بد للعقل من أن يبحث عن كنه المرض ، وعن آلية حدوثه . لقد كان من السهل تفسير وقوع ما نسميه اليوم بالحوادث الطارئة ، كالغرق ، أو الكسر ، أو الجرح ، ولكن الأمراض الأخرى كانت ما تزال تبحث عن تفسير .